١٢ يناير ٢٠٢٦
أتاني نبيّ
الله الخِضِرُ عليه السلام في هذا الصباح، فجلس معي وقال:
يا أحمد،
اكتب ولا تحبس بعد اليوم الكلمات التي أردتُ أن أقولها لك منذ ليلة الخميس
الماضية. أكنتَ تستأذن الله أن يأذن لي أن أكون شديدًا عليك؟
إني قد كنتُ في زمنٍ مضى
أعنتُ رجلًا كاد أن تُصيبه صخورٌ من حافة جبلٍ في بلاد فارس، فجذبتُ يده بقوة فسقط
مجروحًا، فسبّني وقال فيّ قولًا قاسيًا، فانصرفتُ عنه وتركته. وإن في هذه الحادثة
لمعنى خفيًّا، وهو مثلُ من يُوجَّه إليه توبيخٌ شديد ونصيحةٌ صادقة وهدايةٌ إلى
طريق الله لينجو من عذاب القبر ومن نار جهنم، فيظنّ نفسه مظلومًا ويتألم قلبه بسبب
نصيحة الله وأوامره التي أبلّغها لك بصرامةٍ وحكمةٍ من أجلهم. أفَيَظُنّون أن ما
تعلّمه وتبلّغه لهم من مواعظ صادرٌ عن إرادتك وغضبك؟ قُلْ! أنا باليا بن ملكان،
وأنا الذي طلبتُ منك ذلك، لأن الله يريد لهم أن يكونوا في صفّ اليمين يوم الحساب،
وأن ينجوا من فتن الدنيا والآخرة. أفلا يعقلون؟
يا أحمد، ليُغيّر بعضُ
الذين سميتُ أسماءهم في سفينتك خُلُقَهم في تتبّع الأخبار والتجسّس على ما تفعل
بالأبنية الأربعة داخل سفينتك. فحالُهم كحال من يرى نجّارًا وبنّاءً ماهرَين
يهدمان أشجارًا عظيمة ويكسران صخورًا، فيظنّ أن ذلك إفسادٌ وخطأ، وهو لا يفهم ما
سيصنعان بعد ذلك. ثم يخجل ويُدرك الحقيقة
حين تتحول تلك الأخشاب والحجارة إلى بيوتٍ جميلة يأوون إليها، فتحميهم من العواصف
والرياح، وتقيهم حرّ الشمس والمطر. قُل لأتباعك: إن الله نهى عباده عن سوء الظن،
وأمرهم بالتبيّن وسعة الصدر.
يا أحمد، قُل واكتب: إذا
كانت حيّةٌ سامةٌ تريد أن تلدغ قدمك، فأردتَ أن تضربها بعصًا لتبتعد عنك، فجاءك من
يمنعك ويقول: لا تؤذِ الحيّة فإنها مخلوق الله، ثم اتّهمك بالقسوة ومخالفة أمر
الله حين دفعتها عنك بقوة—فذلك مثلُ من يدّعي محبتك ويعدّك أبًا ومعلّمًا، ومع ذلك
يضمر في قلبه سوء الظن بما تقوم به. فليعلموا أنه لا يخفى على حساب الله شيء. ولا تكتم هذه الكلمات، فليس أنا الذي
أريد، بل الله عزّ وجلّ هو المريد. وقُل لأحد الذين خدعوك واحتقروك: أيظنّون أنهم
يختبئون من غضب الله؟لقد ظهر غضب الله على ظلمهم، إذ اتهموك بالكذب وبالظلم
تكبرًا، اعتمادًا على كذب ساحرٍ واحد. ونسوا أن أموالهم وتجارتهم من الله، فرفعوا
رؤوسهم بالغرور وأوقعوا فيك فتنةً عظيمة. فاصبر، ولا ترفع يديك لردّ غضب الله
عنهم، فإني كنتُ قريبًا منك حين أساؤوا إليك بأقوالهم. وإنما واجبك أن ترفع درجة
أحدهم بتعليمه تجارةً يرضاها الله، وأن تُعرض عن الآخر. فاصبر. فإني، باليا بن
ملكان، أحبك لصبرك وثباتك على أذى من افترى عليك افتراءً فاحشًا.
يا أحمد، إن الراعي الذي
يجلس تحت شجرة يستمتع بنسيمٍ لطيف ثم ينام ويحلم هو في غفلةٍ وجهل، حتى تصير الشاة
الضعيفة فريسةً للذئب الجائع. وكذلك مثلُ من يصدّق أخبار الحاسد وكلامه المعسول،
ومثلُ من يفكّر بدافع الغضب حتى يضيع عقله وقلبه في قبضة إبليس. وتلك صفات
الفاسقين الذين نالوا المناصب والمكانة الدنيوية بألسنةٍ مليئة بالكذب والخداع،
فهم كمن يمشي في الظلام وعيناه مغمضتان نحو هاويةٍ عميقة.
يا أحمد،
احفظ أمانةً من أمانات الله في يدك، وقُل لهم: إن (١٢٢٣) حقٌّ من حقوق الله، أنزله
الله على أحمد آيةً بيّنةً على أن الله على كل شيء قدير، وأن محمدًا ﷺ رحمةٌ
للعالمين وخاتم النبيين، وأن القرآن كتاب الله الكامل، هدىً وشفاءً ونجاةً للبشرية
كلها. أفلم يتبيّن أن من شُفي بإذن الله هو من آمن بالله ورسوله وقرأ القرآن،
بينما لم تجد الدنيا له دواء؟ وأن غيره لم يُشفَ، وهو من لا يؤمن بالله ولا برسوله
ولا بالقرآن، مع أنه شرب دواء (١٢٢٣) وكان مريضًا بالمرض نفسه؟ وإن الله أراد
الشفاء لعبدٍ مؤمنٍ اعترف بخطئه، فابتلاه بالمرض (فيروس نقص المناعة) ليتوب، فليتب
توبةً نصوحًا، وليترك فعل قوم لوط، وليشهد أمام الناس أن الله شفاه بالقرآن (١٢٢٣)
الذي أذن الله أن يكون في يد المَخْفِيّ.
يا أحمد، لقد
أخبرني الله بأحسن الخبر: ما من عملٍ أحبَّ إلى الله ورسوله من رباط الأخوّة بين
المسلمين حتى يُقام به أحسن سنن النبي محمد ﷺ. وإن القواعد التي وضعتها هي من سنّة
جدّك محمد ﷺ، فاجعلها نظامًا ثابتًا في سفينتك، لتسير عليه ذريتك وأتباعك من بعدك.
وإن إلزامك نفسك بكفالة أيتام أصحابك الذين توفوا، ما دامت أمهاتهم لم يتزوجن،
فريضةٌ دائمة في سفينتك. وما نقص الله رزق من حمل همّ أخيه وهو قادر عليه. وأمسك
بزمام بيت المال في سفينتك، وداوم على التفريق بين الصدقات والزكاة والهدايا كما
اعتدتَ مع أصحابك. ولا خطأ فيما علّمتهم، فادعُ مفتيين من بلدك ممّن في سفينتك هذا
العام لتحديد وقت الزكاة ومقدارها وفق الشريعة، وسجّل ذلك وأعلنه، فليس في ذلك
رياء، بل الله ورسوله يحبّانه.
يا أحمد،
أما سمع أهل الغرب رجفة السماء ودويّها؟ ثم يظنون ذلك أمرًا عاديًا؟ قُل: إن الله
لا يترك مخططات الظلم التي دبّروها، من تشويه القادة وإفساد بلاد الأنبياء بالجشع
والكبر. قصورهم، وبنيانهم المتين، وأسلحتهم التي يفاخرون بها، لن تمنع غضب الله
إذا نزل من السماء أو خرج من تحت أقدامهم. وسينزل بهم عذابٌ ودمارٌ ظاهر. وقُل
للمؤمنين في البلاد المتكبرة الجشعة، والبلاد القائمة على الماء، أن يلوذوا بالله
وقت الفجر، ويقيموا قيام الليل في جوف الليل، ففي ذلك الوقت يُظهر الله سلطانه على
بلدانهم.اذهب هذا المساء، وأدِّ ما عليك من شؤون تجارتك وأمرك مع زوجتك الثانية
ثلاثة أيام، حتى يُيسّر الله لك أمورك في يومي ٢٥ و٣٠ بإخلاص بعض أتباعك وبسبب تلك
الأراضي، ثم خذ عصاك واضرب بها على شاطئ ****** في يوم ****** ويوم ******.
أحمد فهمي
بن عبد الله علوي شمس
.
.png)