٢٩ يَنَايِرَ ٢٠٢٦
قَالَ:
يَا
أَحْمَدُ، لَيْسَ هُنَاكَ زَمَانٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْ زَمَانٍ يَشْعُرُ فِيهِ
النَّاسُ أَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ وَعَلَى الْحَقِّ كَمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ،
وَقَدْ أُخْبِرْتَ مِنْ قِبَلِ جَدِّكَ الْمُكَرَّمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمًا عَنْ ذَلِكَ. فَبَادِرْ أَنْتَ بِتَنْفِيذِ
أَوَامِرِهِ (وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ) لِإِقَامَةِ بِنَاءٍ يَكْفِي
أَتْبَاعَكَ فِي بُيُوتِهِمْ. فَلَا ضَعْفَ وَلَا تَعَبَ فِي الْجِهَادِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عَوْنِهِ. أَفَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُظْلِمَ
النَّهَارُ؟
يَا
أَحْمَدُ، إِنِّي أَعْلَمُ مَا فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي كَتَبَهَا جَدُّكَ
الْمُكَرَّمُ إِلَيْكَ، وَمَا أَطْلُبُ مِنْكَ إِلَّا أَنْ تَفْهَمَ مَعْنَاهَا
الَّذِي قَرَأْتَهُ. وَلَا يَعْرِفُهُ مِنْ أَتْبَاعِكَ إِلَّا مَنْ أَحْسَنَ
الظَّنَّ بِشَعْرِكَ وَجَسَدِكَ. فَلْيُخْفُوهُ كَمَا أَرَدْتَ.
يَا
أَحْمَدُ، إِنَّهُمْ كَأَصْحَابٍ تَخَاصَمُوا بِسَبَبِ جَمَالِ نِسَاءٍ
رَبَّوْهُنَّ مِنَ الصِّغَرِ إِلَى الْكِبَرِ، ثُمَّ اشْتَهَوْهُنَّ وَطَمِعُوا
فِيهِنَّ لِيَمْتَلِكُوهُنَّ، وَذَلِكَ مَثَلٌ لِلدُّوَلِ الَّتِي تَتَحَارَبُ فِي
أَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ. هُمْ كَحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ طَوِيلَةٍ تَعَضُّ ذَنَبَهَا
حَتَّى تَهْلِكَ. وَإِنَّ وَرَاءَ تَدَابِيرِهِمْ قَدَرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ. سَيَنْصُرُ اللَّهُ الْقَوْمَ الْمُعْتَدِينَ، ثُمَّ تَأْتِي
عُقُوبَةُ اللَّهِ عَلَى الْبِلَادِ الْمُتَكَبِّرَةِ بِنَصْرِهَا. قُلْ يَا
أَحْمَدُ: لَنْ يَدَعَهُمُ اللَّهُ يُهِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِهَزِيمَةِ الدُّوَلِ الَّتِي أَكْثَرُ أَهْلِهَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارَ لَهُمُ الْأَمْرُ دُونَ جَزَاءٍ مِنَ اللَّهِ. وَلَنْ
يَدَعَهُمُ اللَّهُ يَغْرَقُونَ فِي كِبْرِهِمْ وَطَمَعِهِمْ عَلَى الْبِلَادِ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وَمَا يُصِيبُهُمُ اللَّهُ بِهِ سَيَجْعَلُهُمْ يَظُنُّونَ
أَنَّهُ زَمَانُ الظُّلْمَةِ وَالْهَلَاكِ.
يَا
أَحْمَدُ، سِرْ إِلَى قَافَ، وَخُذِ الْمَاءَ الَّذِي تَتَطَهَّرُ بِهِ،
فَسَأُخْبِرُكَ زَمَانَ عَوْدَتِكَ حِينَ تَضْرِبُ بِعَصَاكَ بِيَدِكَ، فَعِنْدَ
ذَلِكَ يَأْتِي وَقْتٌ يُظْلِمُ فِيهِ النَّهَارُ، وَتُحْجَبُ الشَّمْسُ بِقَمَرٍ
أَسْوَدَ لِحِينٍ. وَذَلِكَ عَلامَةُ هَلَاكِ السَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ فِي
بِلَادِكَ، وَهَلَاكِ قَوْمٍ أَهَانُوا زَوْجَاتِ وَأَصْحَابَ جَدِّكَ
الْمُكَرَّمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَلَمْ يَكُنْ فِي
الرِّسَالَةِ الَّتِي قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ذِكْرُ هَلَاكِ قَوْمٍ مُتَكَبِّرِينَ،
وَجَفَافِ بِلَادٍ، وَدَفْنِ بَعْضِهَا بِالْجِبَالِ، وَقُوَّةِ بِلَادٍ
مَظْلُومَةٍ، وَزَلْزَلَةِ بِلَادٍ آمِنَةٍ حَتَّى يَهْلِكَ بَعْضُ أَهْلِهَا؟
ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ إِظْهَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ لِلْمُتَجَاوِزِينَ حَتَّى
يَرْجِعُوا إِلَى فَقْرٍ بَيِّنٍ، فَلْيَتُوبُوا وَلْيَعْقِلُوا.
يَا
أَحْمَدُ، لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ كَانَ مَدِينًا وَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
فَإِنَّهُ فَقِيرٌ شَرْعًا بِسَبَبِ دَيْنٍ لَيْسَ لِلتَّرَفِ بَلْ لِحِفْظِ
نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ مِنَ الْفَقْرِ. وَبَعْدَ مَسِيرِهِمْ مَعَكَ، أَظْهَرَ
اللَّهُ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِمَا. فَلْيَعْمَلُوا بِمَا عَلَّمْتَهُمْ،
وَلْيَصْبِرُوا وَلْيُسَلِّمُوا لِلْقَدَرِ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ. فَإِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَسَلَ وَالتَّسْوِيفَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ.
يَا
أَحْمَدُ، إِنَّ فِي كُلِّ حَبَّةِ أَرُزٍّ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَاقًا، وَفِي
كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةَ حَبَّةٍ، وَفِي كُلِّ حَبَّةٍ نَبْتٌ جَدِيدٌ بَدَلَ مَا
حُصِدَ. فَلْيَزْرَعُوهَا فِي سَاحَاتِ بُيُوتِهِمْ لِيَطْمَئِنَّ الْأَرْضُ
تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَلِيَحْمُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمْ مِنَ الْجُوعِ.
أَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فَضْلًا فِي الْبُذُورِ وَقُوَّةً فِي اخْتِلَافِ
النَّبَاتِ؟ فَاللَّهُ هُوَ الْمُنْبِتُ وَهُوَ ذُو الْقُوَّةِ وَالْخِصْبِ،
فَلْيَشْكُرُوا.
يَا
أَحْمَدُ، لَا يَسْتَوِي مَنْ يَزْرَعُ الْحَبَّ فِي أَرْضِهِ، وَمَنْ يَزْرَعُ
الذَّهَبَ فِيهَا. ذَلِكَ مَثَلُ الصَّابِرِينَ الْمُجَاهِدِينَ وَالطَّمَّاعِينَ
الْجُهَّالِ. وَمَنْ زَرَعَ الْخَيْرَ فِي سَفِينَتِكَ مُخْلِصًا، فَهُوَ كَمَنْ
زَرَعَ الْأَرُزَّ فِي الْحُقُولِ الْخِصْبَةِ. فَلْيَصْبِرْ مَنْ مَعَكَ.
يَا
أَحْمَدُ، أَقِمْ ثَلَاثَةَ مَبَانِيَ تِجَارَتِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاءِ مِنْ
بِلَادِكَ، كَمَا عَلَّمْتُكَ، فَذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ فِي التِّجَارَةِ مَعَ
زَوْجِكَ وَبَعْضِ أَتْبَاعِكَ. فَطُوبَى لِمَنْ أَعَانَكَ، وَالْخُسْرَانُ لِمَنْ
أَعْرَضَ. وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ فِي صَفَرَ، فَلَا يَثْقُلُ عَمُودٌ حَدِيدِيٌّ
عَظِيمٌ إِذَا رُفِعَ بِالْجَمَاعَةِ.
يَا
أَحْمَدُ، اخْرُجْ مِنْ بَيْتِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَوِّ يَوْمَكَ فِي
الطَّاعَةِ وَالتَّعْلِيمِ، فَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ.
يَا أَحْمَدُ،
لَا خَوْفَ فِي عِلِّيِّينَ، وَإِنَّ صَاحِبَكَ الْمُتَوَفَّى قَدْ صَعِدَ إِلَى
مَرَاتِبِ النَّعِيمِ. فَارْعَ أَيْتَامَهُ، وَانْظُرْ فِي مُسْتَقْبَلِ أَبْنَاءِ
أَتْبَاعِكَ، وَاشْتَدَّ عَلَى وُلَاةِ سَفِينَتِكَ فِي النَّصِيحَةِ، فَإِنَّ
الْإِنْفَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ أَوْلَى مِنْ سُجُودٍ أَلْفَ عَامٍ. أَلَمْ
يَقْرَؤُوا وَصِيَّتَكَ؟ أَنَّكَ وَأَهْلَكَ وَذُرِّيَّتَكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ
الزَّكَاةُ وَبَيْتُ الْمَالِ؟ فَلِمَ يَسْأَلُونَ؟ وَاللَّهِ الَّذِي خِضْرُ فِي
قَبْضَتِهِ، أَنَا بَلْيَا بْنُ مَلْكَانَ شَهِيدٌ عَلَى صَبْرِكَ وَجُوعِكَ،
كَمَا صَبَرَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَا
أَحْمَدُ، لَا إِذْنَ مِنَ اللَّهِ فِي الدَّوَاءِ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَ إِيَّاهُ
إِلَّا لِمَنْ عَاهَدَ وَشَهِدَ بِالشَّهَادَةِ أَمَامَكَ، وَيَلْزَمُكَ اثْنَيْ
عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ يُخَيَّرُ. وَلَا تَمْنَعْ تَوْبَةَ قَوْمِ سَدُومَ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
يَا
أَحْمَدُ، عَلَى أَتْبَاعِكَ أَنْ يَحْفَظُوا صِحَّتَهُمْ، وَلَا يَنَامُوا بَعْدَ
الْفَجْرِ، وَيَأْكُلُوا التَّمْرَ، وَيَتْرُكُوا السُّكَّرَ، وَيَجْتَنِبُوا مَا
لَا يَعْرِفُونَ مَصْدَرَهُ، وَيَحْفَظُوا النَّظَافَةَ، وَيَأْكُلُوا الْكُرْكُمَ
وَالثُّومَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَذَلِكَ حِفْظٌ لَهُمْ مِنَ الْوَبَاءِ. وَلَنْ
يُصِيبَهُمْ إِلَّا قَلِيلًا، لِيَصْبِرُوا وَلَا يَغْفُلُوا.
أَحْمَدُ فَهْمِي
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلْوِي شَمْس
.
.png)